الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

215

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 11 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 11 ] إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) احتراس باستثناء من ( الإنسان ) . والمراد بالّذين صبروا المؤمنون باللّه لأنّ الصبر من مقارنات الإيمان فكني بالذين صبروا عن المؤمنين فإنّ الإيمان يروض صاحبه على مفارقة الهوى ونبذ معتاد الضلالة . قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 3 ] . ومن معاني الصبر انتظار الفرج ولذلك أوثر هنا وصف ( صبروا ) دون ( آمنوا ) لأنّ المراد مقابلة حالهم بحال الكفّار في قوله : إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ [ هود : 9 ] . ودل الاستثناء على أنّهم متّصفون بضد صفات المستثنى منهم . وفي هذا تحذير من الوقوع فيما يماثل صفات الكافرين على اختلاف مقادير . وقد نسجت الآية على هذا المنوال من الإجمال لتذهب نفوس السامعين من المؤمنين في طرق الحذر من صفتي اليأس وكفران النعمة ، ومن صفتي الفرح والفخر كل مذهب ممكن . وجملة أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ مستأنفة ابتدائية . والإتيان باسم الإشارة عقب وصفهم بما دل عليه الاستثناء وبالصبر وعمل الصالحات تنبيه على أنّهم استحقوا ما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر قبله من الأوصاف كقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] . [ 12 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 12 ] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 12 ) تفريع على قوله : وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ - إلى قوله - يَسْتَهْزِؤُنَ [ هود : 7 ، 8 ] من ذكر تكذيبهم وعنادهم . ويشير هذا التّفريع إلى أنّ مضمون الكلام المفرع عليه سبب لتوجيه هذا التوقع لأنّ من شأن المفرع عليه اليأس من ارعوائهم لتكرر التكذيب والاستهزاء يأسا قد يبعث على ترك دعائهم ، فذلك كله أفيد بفاء التفريع . والتوقع المستفاد من ( لعل ) مستعمل في تحذير من شأنه التبليغ . ويجوز أن يقدّر استفهام حذفت أداته . والتقدير : ألعلّك تارك . ويكون الاستفهام مستعملا في النفي للتحذير ، وذلك نظير قوله تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] . والاستفهام كناية عن بلوغ الحالة حدا يوجب توقع الأمر المستفهم عنه حتى أنّ